التصوف الإسلامي نشوؤه وتطوره




التصوف الإسلامي نشوؤه وتطوره


التصوف من حيث اللغة : -

          كثرت الأقوال في اشتقاق علم التصوف عند المسلمين على عدة أقوال ، أشهرها : -
          أنه من الصوفة : لأن الصوفي مع الله كالصوفة المطروحة ، لاستسلامه لله تعالى .
          أنه من الصِفة : إذ أن التصوف هو اتصاف بمحاسن الأخلاق والصفات وترك المذموم منها .
          أنه من الصُفة : لأن صاحبه تابع لأهل الصفة الذين هـم الـرعـيل الأول من رجل التصوف ( وهم مجموعة من المساكين الفقراء كانوا يقيمون في المسجد النبوي الشريف ويعطيهم رسول الله من الصدقات والزكاة طعامهم ولباسهم ) .
          أنه من الصف : فكأنهم في الصف الأول بقلوبهم من حيث حضورهم مع الله ؛ وتسابقهم في طاعة الله . 
          أنه من الصوف : لأنهم كانوا يؤثرون لبس الصوف الخشن للتقشف والاخشيشان . 
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أنهم ينسبون في رواية إلى صوفة بن أدبن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك . 
وقد أرجع بعض الباحثين والمؤرخين المتخصصين بعلم الديانات القديمة من غير المتصوفة ، الكلمة إلى أصل يوناني وهو كلمة ( سوفيا ) ومعناها الحكمة وأول من عرف هذا الرأي البيرونى ، ووافقه الدكتور " محمد جميل غازى ، الذي قال " الصوفية اسم يوناني قديم مأخوذ من الحكمة ( صوفيا ) وليس مأخوذ من الصوف " .   
التصوف من حيث الاصطلاح : -
عرف العلماء التصوف بأنه علم تعرف بها إصلاح القلب وسائر الحواس ، وفائدته صلاح أحوال الإنسان لما فيه من الحث على تصفية الإعتقاد وكمال الأعمال بالسداد .
كما عرفه الإمام أبو حامد الغزالى : - هو تجرد القلب لله تعالى وإحتقار ما سواه أي تخليص القلب لله تعالى وإعتقاد ما سواه لا ينفع ولا يضر ، فلا يعول إلا على الله .
وقد عرفه الشيخ أبو بكر بن جحدر الشبلي ( ت 334 هـ ) : - حيث يقول الصوفي منقطع عن الخلق ، متصل بالحق ويقول أيضاً هو استرسال النفس مع الله تعالي على ما يريد .
ويقول الشيخ سمنون بن حمزة ( ت 290 هـ ) : " أن لا تملك شيئاً ولا يملكك شئ " ، ويقول أيضاً "أن تكون مع الله تعالي بغير علاقة ". 

نشوء التصوف الإسلامي وتطوره : -

الإسلام دين عمل وكدح وجهاد ؛ يأمر بالمتمتع في هذه الحياة دون إسراف ولا عدوان ويعد المحسنين السلطان والمكن على هذه الأرض حيث يقول سبحانه في كتابه العزيز : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين . قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق . قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة ) ، وقال تعالي :( وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا )
وقد نهي الإسلام عن الرهبانية وحذر من الغلو في الدين والمبالغة في العبادة ، وكذلك نهي الرسول ( صلي الله عليه وسلم ) عن مواصلة الصوم ، والتهجد طول الليل ، ونهي عبد الله بن عمر عن مواصلة الصيام والقيام وقال له : قم ونم ، وصم وأفطر ؛ فإن لبدنك عليك حقاً ، وإن لأهلك عليك حقاً .
فلقد أرشد الإسلام إلى التقوى التي تحلي بها المسلمون الأولون فكانت تقوى عمر وعلى وأمثالهما ممن يصرفون أمور الرعية ، ويدبرون الحرب والسلم في المساجد ، لا يفرقون بين العباد والعمل لخير الأمة وحمايتها والدفع عنها خير مثال .
ولقد شاع كلام المتصوفة على ألسن زهاد القرنين الأول والثاني من الهجرة كالحسن البصري المتوفي سنة 119 ، ومحمد بن واسع الأزدي المتوفي سنة 120 ، والفضيل بن عياض المتوفي سنة 187 ، وسفيان الثوري ، وعمر بن عبيد ، وواصل بن عطاء ، وداوود الطائي ، والربيع بن خيثم ، وأويس القرني ، ومعاذة العدوية ، ورابعة القيسية ... إلخ .
وتلا هؤلاء جماعة أعظم زهداً ، وأكثر غلوا في القول والفعل ، وأقسي على أنفسهم ، وأشد تذليلاً لها ، وأميل إلى الإعتزال والإنقطاع عن الناس ، عرفوا باسم الصوفية ، وقد شاعت هذه التسمية في أواخر القرن الثاني وفي القرن الثالث . 
ففي القرن الثالث الهجري نري التصوف يغلب فيه المعرفة والتأمل والرياضة الروحية والحب الإلهي المؤدي إلى الفناء ، والفناء المؤدي إلى وحدة الوجود أو وجدة الشهود .
فنجد العارف في مكان العابد ، ونسمع الكلام في الحب والوجد والفناء والوحدة ، فمقصد الصوفي في هذه الحياة أن ييسر للروح النجاة ، وأن يسمو بها على المادة ويخلصها من سجنها ويحررها حتى تتصل بالله .
ولقد كانت أقوالهم في الفناء ووحدة الوجود وغيرهما ، مثار خلاف بينهم وبين العلماء المسلمين ، وزاد هذا الشقاق أن بعض الصوفية حقروا العلوم التي يعتز بها العلماء ، وقالوا : أنها لا تغني شيئاً في تصفية النفس ووصلها بخالقها ، ولا تؤدي إلى إدراك الحقائق الإلهية ، وحقر العلماء الصوفية ؛ إذ كثير منهم لم يبلغوا من العلم مبلغ هؤلاء العلماء ، وزاد الناس نفوراً من الصوفية أن بعض المتصوفين حقروا المظاهر كلها 

تعليقات